

إنجاز مغربي جديد يحمل توقيع تلميذة شابة استطاعت أن تتفوق على منافسين من مختلف دول العالم، بعدما توجت نادين حسناوي، تلميذة مجموعة مدارس مارية ، بالمرتبة الأولى عالمياً في مستوى B2 ضمن مسابقة KGL الدولية للغة الإنجليزية، في تتويج يتجاوز قيمته الفردية ليعكس ثمرة مسار تربوي طويل يجمع بين موهبة التلميذة، تأطير المؤسسة التعليمية، ودعم المبادرات التي تفتح أمام الناشئة المغربية أبواب المنافسة الدولية
لم يكن رفع العلم المغربي في مدينة تسالونيكي اليونانية خلال الأيام الأولى من أكتوبر مجرد لحظة احتفالية عابرة، بل كان خاتمة لمسار تنافسي شاق خاضته التلميذة المغربية نادين حسناوي حتى اعتلت صدارة مستوى B2 في النهائيات العالمية لمسابقة KGL Contest English Olympiad، إحدى المسابقات الدولية الموجهة لتلاميذ يتعلمون اللغة الإنجليزية كلغة أجنبية.
وأقيم الحدث العالمي لموسم 2026 في اليونان أيام 1 و2 و3 أكتوبر، بعد مرحلتي التصفيات الأولى والنهائيات الوطنية التي أجريت في وقت سابق من السنة، بحسب البرنامج الرسمي للمسابقة.
ويكتسب إنجاز نادين حسناوي دلالة خاصة بالنظر إلى طبيعة المنافسة نفسها؛ فـKGL ليست اختباراً مدرسياً تقليدياً، وإنما مسار تنافسي دولي مرتبط بمستويات الإطار الأوروبي المرجعي الموحد للغات CEFR، ويشارك فيه متعلمون من أكثر من 40 دولة، فيما تشير بيانات المسابقة إلى مشاركة عشرات الآلاف من المتعلمين سنوياً
تتويج نادين حسناوي بالمرتبة الأولى عالمياً في فئة B2 يعني أنها لم تصل إلى منصة اليونان مباشرة؛ إذ يمر المشارك عبر مراحل فرز متتالية تقيس قدرته الحقيقية على استخدام اللغة الإنجليزية وليس فقط حفظ القواعد والمفردات.
ففي المرحلة الأولى، يخوض التلاميذ اختباراً يتضمن أسئلة متعددة الاختيارات مرتبطة أساساً بالفهم القرائي والمفردات والقواعد. أما في النهائيات الوطنية فترتفع درجة الصعوبة، إذ تشمل الاختبارات الاستماع والقراءة والكتابة إلى جانب مكونات أخرى، وتصل مدة اختبار مستوى B2 في هذه المرحلة إلى 90 دقيقة. وبعد تحديد المتفوقين وطنياً والتحقق من مستوياتهم، ينتقل المؤهلون إلى الحدث العالمي في اليونان للتنافس مع ممثلي بقية الدول.
وفي المحطة العالمية، لا تُمنح المراتب بناءً على المشاركة أو التمثيل الوطني، بل تحدد وفق الأداء في الاختبارات النهائية والمهمة الكتابية؛ وتمنح المراتب الأولى والثانية والثالثة في كل مستوى من A1 إلى B2، إلى جانب جائزة منفصلة لأفضل متنافس على المستوى العام. وهو ما يجعل وصف إنجاز نادين أكثر دقة: الأولى عالمياً في مستوى B2، وهي مرتبة تعد في حد ذاتها تتويجاً دولياً رفيعاً.
وراء تتويج نادين يبرز أيضاً اسم مجموعة مدارس ماريا (Madariss Maria)، المؤسسة التي تتابع فيها التلميذة مسارها الدراسي، والتي يبدو أن حضورها في المسابقات اللغوية والعلمية تحول خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من مشروع تربوي أوسع يقوم على تشجيع التلاميذ على الانتقال من الفصل الدراسي إلى فضاءات المنافسة الوطنية والدولية.
وتفيد المعطيات الرسمية للمؤسسة بأن مدارس مارية تأسست سنة 1999، وتوجد بتمارة وتامسنا، وتشمل مختلف الأسلاك التعليمية، من التعليم الأولي والابتدائي إلى الإعدادي والثانوي التأهيلي. كما تؤكد المؤسسة اعتمادها البرامج الرسمية المغربية مع تطوير هوية تربوية خاصة بها وانفتاحها على أنشطة ومسابقات موازية.
ولا يبدو تتويج نادين في KGL حدثاً منفصلاً عن هذا التوجه. فالموقع الرسمي للمدرسة يوثق تنظيم English Day بشكل متكرر، إلى جانب أنشطة في الخطابة والقراءة والعلوم والروبوتيك والمسابقات الرياضية والعلمية، كما سجلت المؤسسة خلال مارس 2026 فوز تلامذتها بالمرتبة الأولى وطنياً في مسابقة الرياضيات الدولية NABOJ.
والأكثر دلالة أن لمدارس مارية سابقة ناجحة في المسابقة ذاتها؛ ففي دورة KGL 2025 احتفت المؤسسة بتلميذتها هبة بعد حصولها على المرتبة الثالثة في الأولمبياد الذي أقيم باليونان. ويأتي تتويج نادين هذه السنة بالمرتبة الأولى عالمياً في B2 ليمنح هذا الحضور بعداً جديداً، ويحوّل المشاركة المتكررة إلى تراكم حقيقي للخبرة والنتائج.
وهنا تبرز قيمة المؤسسة التعليمية في مثل هذه النجاحات؛ فالموهبة الفردية تظل العنصر الحاسم، لكنها تحتاج إلى فضاء يكتشفها مبكراً، وأساتذة يطورونها، وأنشطة تسمح لها باختبار قدراتها خارج حدود المقرر الدراسي. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة فوز نادين أيضاً باعتباره ثمرة تلاقي الاجتهاد الشخصي للتلميذة، ودعم أسرتها، وتأطير أطر مدارس مارية، والانفتاح على المنافسات الدولية.


وتكتسي مسابقة KGL أهمية تربوية لكونها مبنية على مستويات CEFR المعتمدة دولياً لقياس الكفاءة اللغوية. فهي لا تبحث فقط عن التلميذ القادر على الإجابة عن قواعد منفصلة، وإنما تنتقل تدريجياً إلى قياس الاستماع، والاستيعاب، والتعبير الكتابي، والقدرة على التعامل مع اللغة في سياقات متنوعة.
كما تفرض قواعد المسابقة أن يشارك المتعلم في المستوى الذي يعكس كفاءته الحقيقية؛ وتشدد الجهة المنظمة على أن التسجيل في مستوى غير ملائم يمكن أن يحرم المرشح من التأهل إلى الحدث العالمي. وهذا الجانب يمنح نتائجها قيمة إضافية، لأن المتنافسين يصنفون وفق معايير مستوى لغوي محددة وليس فقط وفق السن أو القسم الدراسي.
«بوكلاند بوبليشينغ».. جسر نحو المنافسة الدولية
وجاءت مشاركة المغرب، وفق المعطيات المعلنة حول التتويج، بدعم من Bookland Publishing باعتبارها الجهة الشريكة للمسابقة بالمغرب، والتي تضطلع بدور في تقريب هذا النوع من المنافسات الدولية من المؤسسات والتلاميذ.
وتعمل Bookland Publishing في مجال نشر وتوزيع كتب وموارد تعليم اللغة الإنجليزية بالمغرب منذ سنة 2014، وتقول المؤسسة إنها تأسست على يد متخصصين في تعليم الإنجليزية، كما تعمل على دعم المؤسسات في الأنشطة والمسابقات الموازية المرتبطة بتطوير التعلم اللغوي.
ويأتي فوز نادين ليمنح هذا النوع من المبادرات معنى أكثر وضوحاً: فالغاية من الانفتاح على مسابقات دولية ليست مجرد إضافة شهادة إلى السجل المدرسي، وإنما وضع التلميذ المغربي أمام معيار عالمي، وتمكينه من اختبار قدراته إلى جانب متعلمين من أنظمة تعليمية وثقافات مختلفة.
نادين حسناوي.. حين يصبح نجاح تلميذة نجاحاً للمغرب
قيمة هذا التتويج لا تختزل في كأس أو شهادة أو ترتيب. فأن تصل تلميذة مغربية إلى منصة عالمية وتتقدم في مستوى B2 على منافسين قدموا من دول مختلفة، فهذا يبعث برسالة قوية حول الإمكانات التي يمتلكها أطفال وشباب المغرب متى توفرت لهم بيئة تربوية تشجع التفوق وتمنحهم فرصة الاحتكاك بالمستوى الدولي.
وكان المغرب قد حقق حضوراً لافتاً في دورات سابقة من KGL؛ ففي 2024 احتل مغاربة مراكز ضمن الثلاثة الأوائل في مستويي A1 وB1، وفي 2025 سجل المغرب مرة أخرى اسمه ضمن منصة مستوى B2. وبالتالي فإن صعود نادين حسناوي سنة 2026 إلى المركز الأول عالمياً في B2 يمثل خطوة إضافية مهمة في هذا المسار المغربي المتصاعد داخل المنافسة.
من تمارة إلى تسالونيكي، قطعت نادين مسافة أكبر بكثير من تلك التي تفصل المغرب عن اليونان؛ إنها مسافة بدأت من مقعد الدراسة، ومرت بساعات التعلم والتدريب والتصفيات، وانتهت فوق منصة عالمية وهي تحمل اسم مدرستها وبلدها.
فوز نادين حسناوي هو أولاً انتصار لطفلة آمنت بقدراتها واجتهدت من أجلها، وهو أيضاً تتويج لأسرتها وأساتذتها ومدارس ماريا ولكل من ساهم في تأطيرها. أما الصورة الأجمل في نهاية الرحلة، فهي صورة تلميذة مغربية تقف بين نخبة المتفوقين في العالم، وقد جعلت العلم المغربي حاضراً في المركز الأول.

